حمل تطبيق داماس تايم 

لسهولة التنقل وأخذ المعلومات

الحروب البيولوجية | البكتريا والجراثيم والفيروسات في الحروب قديماً وحديثاً.

د.أيمن عبد العظيم رحيم – داماس تايم


مفهوم الحرب البيولوجية

الحرب البيولوجية هي الحرب التي يتم فيها الاعتماد على الكائنات الحية الدقيقة من بكتيريا وجراثيم وميكروبات وفيروسات في إلحاق الضرر بالقوى المعادية وإمكاناتها البشرية والحيوانية والنباتية، وكذلك هي كل الإمكانات المستخدمة لصد الهجمات البيولوجية والدفاع ضد القوى المعادية التي تستخدم هذا النوع من الأسلحة.

فلسفة الحرب البيولوجية

تقوم فلسفة الحرب البيولوجية على خلق جيش موازٍ متكامل من الكائنات المجهرية يوازي الجيش الفعلي الحقيقي للدولة، فتمتلك الدولة على هذا النحو جيشين كاملين، جيشًا من الجنود المقاتلين ، وجيشًا آخر من الجراثيم والبكتيريا يُستخدم في إلحاق الضرر بالأعداء. وعلى هذا النحو فإن فلسفة التكوين والاستخدام واحدة متشابهة، فأنت حين ترسل الجندي مقاتلا لأعدائك، يمكنك أيضًا أن ترسل الفيروس لمقاتلة أعدائك، وحينما تنشئ مصنعًا لتصنيع الذخائر والقنابل، فإنك  قد تنشئ معملا لتصنيع البكتيريا والجراثيم، وأنت حين تنفق المال لتدريب الجنود وإعدادهم، فأنت قد تنفق المال أيضًا لتجهيز هذه الجراثيم حتى تصل إلى الحد المطلوب من القدرة على الفتك. وليست كل الدول قادرة على  خلق هذا الجيش وتكوينه،وإنما تستطيع ذلك الدول التي بلغت قدرًا كبيرًا في العلم بهذه الكائنات الدقيقة،ولا شأن للاقتصاد بهذه القدرة.

أعمال الحرب البيولوجية

مثل الحرب المعتادة فإن أعمال الحرب البيولوجية تنقسم إلى ثلاثة مجالات كبرى، هي الهجوم و الدفاع و الوقاية أوالتحصين، والأعمال الثلاثة كلها تتم في الكائنات الحية أي في جسم الكائن: الإنسان أو الحيوان أو النبات، ولا تأثير لها في المباني والمنشآت والآلات، فهي حرب موجهة باستخدام كائنات دقيقة ضد كائنات حية معادية.

الكائنات الحية في الحروب

قضت البشرية قرونًا طويلة تستخدم الحيوان في الأعمال الحربية، يركب الفرسان الخيول، أو يمتطي الجنود الجمال، أو يتمثل ذلك في البغال التي تجر عربات الجنود،  لقد كانت الخيول جزءًا مهمًا من المشهد العسكري القديم في الرسوم الفرعونية القديمة، وكانت كثرة إضافة الحيوان إلى الجيش في وظائف مختلفة تدل على قوة هذا الجيش.

إلى أن حدثت نقلة كبيرة في الحروب بظهور جيش النبي سليمان عليه السلام الذي كان يتكون من فرق بشرية، وأخرى حيوانية، وأخرى فرق من الطيور، فعرف البشر توجيه القوة الحيوانية في المخلوقات الأخرى ضد أعدائهم، فظهر تسليط الكلاب في الحروب على العدو، ثم ظهر استخدام الأفيال بأجسادها الضخمة و أصواتها المفزعة في المعارك، وبز ذلك حتى قبل 1500 سنة في الغزو الحبشي لمكة في عام الفيل حين استعان أبرهة الحبشي بالأفيال لمواجهة أهل مكة.

وإذا كانت البشرية لم تستطع بعد أن إلى استخدام جيوش الجن مثلما فعل النبي سليمان عليه السلام،فإنها قد ظلت تطور استخدامها للكائنات الحية حتى يومنا هذا، و لما كان البشر  كانوا قد اكتسبوا الخبرة بسلوك الحيوانات الكبيرة المختلفة،فإن العلماء اتجهوا إلى الكائنات الدقيقة غير المعروفة مثل البكتيريا والجراثيم والمكيروبات والفيروسات تلك التي ليست للبشرية خبرة بسلوكها معايشة أو دراسة، ليستعينوا بها في الحروب ضد أعدائهم.

الأسس التراثية للحرب البيولوجية

إذا كان من الممكن أن نؤمن بصحة هذا التطور الطبيعي لاستخدام الكائنات الحية في الحروب من حيواناتٍ تحملُ وتجرُّ إلى حيواناتٍ يستخدمها الجندي مباشرة في القتال، إلى حيوانات توجه في الهجوم على العدو ثم إلى كائنات دقيقة أيضًا توجه إلى العدو، فإن علينا أيضًا أن نبحث عن أساس هذه الأفكار البشرية المدمرة، من أين أتت؟ فالحقيقة هي أن التراث الإنساني القديم يشير إلى عشرات القصص والحكايات التي تدخل فيها الحيونات والطيور والحشرات عالم الإنسان وتقدم له المساعدة، وتمتلئ القصص القديمة بأحاديث للحيوانات والحشرات والطيور في حكايات السحرة والأساطير في ثقافات مختلف الشعوب في الشرق والغرب .

ولعل هذا يؤكد الطبيعة العجيبة للكائن البشري الذي يستوحي الشر من حتى من عالم الخيال ليجرَّه إلى عالم الواقع،و يجعله حقيقة ملموسة، يجسدها سلاحًا ينتصرُ به على أعدائه، ويستخدم كل ما في الطبيعة في طريق الشر والدمار، فهو  لايكتفي باستخدام الكائنات الحية بوصفها وسائل تعين الجنود، وإنما يصنع منها سلاحًا يفتك بأعدائه.

وقد تنبه الشاعر العربي المتنبي لهذا الأمر، فقال في أحد أبياته:

       كلما أنبتَ الزمانُ قناةً                      ركَّبَ المرءُ في القناةِ سِنَانَا

فالسفينة التي كانت تنقل الناس والبضائع في البحر، لم يتركها الإنسان إلا وقد تحولت إلى بوارج وفرقاطات تقذف النار و ترسل الدمار، والطائرة التي كانت تنقل الناس والبضائع في الجو، لم تتركها يد الإنسان إلا وقد تحولت إلى عواصف  من الجحيم أو طيورًا أبابيل تقذف عليهم السجيل، أما السيارات التي أدهشت الإنسان، وهش لاستقبالها، لم تلبث هي الأخرى أن تحولت إلى  دبابات ومدرعات تقصف تصل إليه

الحرب البيولوجية الحديثة

من الطبيعي أن تظهر على الأرض بعض الأمراض و الأوبئة، و لكن سرعان ما تنتهي هذه الأوبئة، وصحيح أيضًا أن البشرية كانت تعاني من هذه الأمراض بعض الوقت، وتتكاتف لمقاومتها وتقليل آثارها، ولكن اللحظة الفارقة هي اللحظة التي استطاع الأطباء والعلماء فيها السيطرة على بعض الأوبئة والتحكم فيها، نعم هي اللحظة الفارقة،إذ خضع المرض للطبيب،حين عرف الطبيب أسبابه وعلاجه، وهنا أصبح باستطاعة أطباء الجيوش جعل هذه الأمراض والأوبئة قذائف يلقونها على العدو، محدثين بها الأضرار نفسها التي كانوا يبتغونها من هجوم الجنود بالأسلحة والذخائر.

أنواع الحروب البيولوجية

للحروب البيولوجية نوعان، نوع قصير المدى، وهو أيضًا قليل التأثير، لا يتجاوز تأثيره إحداث اضطراب مؤقت في اقتصاد الدول، ومن أشهر أمثلته، زيادة الحشرات والقوارض في مكان معين بشكل زائد عن المعتاد، فقد تجد مكانًا تعرض لهجوم بيولوجي تستدل عليه من زيادة حشرات البراغيث والقمل أو كثرة القوارض مثل الفئران، وقد يكون أمثلته ارتفاع ملحوظ في عدد المصابين بنزلات البرد، كل هذه الحالات وأمثلتها المشابهة لها لا تستهدف سوى الإضرار بالاقتصاد الوطني لدولة ما، استنزافا لجزء من ميزانياته في علاج هذه الأضرار.

أما النوع الثاني فهو الأكثر خطورة والأشد فتكا، وهو في الحقيقة لايستدل عليه بحشرات ولا قوارض، ولكن يستدل عليه بأعراض غريبة وخطيرة على جسم الإنسان، سرعان ما تؤدي إلى الوفاة، هذا النوع من الهجمات البيولوجية الذي يهدف إلى تدمير الإنسان ذاته هو في الحقيقة يدمر الاقتصاد والمجتمع بالكامل لأنه يكون مدروسًا ومخططًا له في الإعداد والتوجيه وفي تحديد النسبة المستهدفة بالمرض أو الوفاة من جرَّاء هذا الهجوم.

الهجوم  بالعدوى

مثلما تشن الحروب التقليدية  بالهجوم ، فإن الحروب البيولوجية تشن بالعدوى، والعدوى تتم بثلاث طرق، إما  عدوى الجلد، وهي لمس الأسطح المفخخة بالفيروسات أو الأشخاص المرضى، وإما عدوى المأكولات والمشروبات المفخخة أيضا بالبكتيريا، وإما عدوى الهواء، تلك التي يستخدم من أجلها الوسائل التقليدية كالطائرات والصواريخ.

القذائف البيولوجية

يتم تعريف القذيفة البيولوجية على أنها  العدوى المباشرة المنقولة من قوة معادية إلى قوة أخرى مستهدفة، وتأخذ القذائف البيولوجية أشكالا مختلفة منها الكائنات الدقيقة، كالبكتيريا والجراثيم والميكروبات والفيروسات، ومنها شكل آخر يتمثل في السموم البيولوجية الجرثومية، وشكل ثالث وهو الحشرات النواقل كالقمل والبراغيث.

و للهجوم بالقذائف البيولوجية أسس مها السرية التامة، فلا يمكن توقع استخدام القذيفة البيولوجية، ومن أسسها أيضًا التأكد من عدم معرفة العدو لتقنية هذه القذيفة فلايمكن أن تهاجم العدو بما يعلمه ويستطيع مقاومته، أو تهاجمه بما كان على استعداد له قبل هجومك البيولوجي، فغالبًا ما يكون الهجوم البيولوجي جديدًا في شكله ومضمونه في كل مرة.

الدفاع البيولوجي

يحتاج الهجوم البيولوجي إلى صد من الدول المستهدفة أو ما يعرف بالدفاع البيولوجي، وفي الحقيقة إن عملية الدفاع البيولوجي لا تنتظر حدوث الهجوم البيولوجي حتى يتحقق مفهوم الدفاع، وإنما عملية الدفاع عادة ما تكون قبل الهجوم متمثلة في الوقاية من الهجمات البيولوجية، ويتمثل الدفاع البيولوجي في التحصين ضد العدوى، والتطعيمات الدورية المعتادة، وتخزين الملابس والأقنعة والأدوات والأدوية وغيرها.

 


نماذج الحروب البيولوجية قديما

  1. فطر صدأ القمح:  منذ العصور القديمة عرف الإنسان استخدام الحروب البيولوجية، فالآشوريون القدماء في القرن السادس قبل الميلاد، كانوا يسممون آبار المياه الخاصة بأعدائهم باستخدام فطريات صدأ القمح السامة.
  2. الطاعون:يعد الطاعون من أشهر الأوبئة التي فتكت بالبشرية قديمًا، و قد  مثَّل الانتصار عليه فرصة كبيرة لاستمرار الحياة البشرية على الأرض، فمن المعروف أن الطاعون فتك بثلث سكان أوربا في العصور الوسطى، ولكنهم  كانوا إلى ذلك الحد يعدونه وباءً يظهر ثم يختفي بعد أن يقضي على أرواح ملايين من البشر.أما أول استخدام لمرض الطاعون في الأغراض الحربية،فإنه يعود إلى العصور الوسطي، وبالتحديد زمن التتار، حين حاصر التتار منطقة القرم في أوكرنيا، وكانوا قد أصيبوا بالطاعون، وكما اشتد الحصار على أهل أوكرانيا، فإن الطاعون أيضًا اشتدت قبضته على التتار خارج الأسوار، فلم يجد التتار حلا سوى أن يقصفوا  منطقة القرم بالمنجنيق، ولكنهم بدلا من قذائف الصخور، وضعوا جثث الموتى المصابين بالطاعون من  جنودهم، ما أدى إلى إصابة السكان المحاصرين بالطاعون، وانتشار الوباء بينهم،  ولما كان في هذا الحصار مجموعة من الإيطاليين الاوربيين، فإنهم هربوا وقتئذٍ إلى صقلية حاملين معهم المرض إلى إيطاليا، ومنها إلى أوربا، لتتعرض أوربا إلى أسوأ كارثة صحية، ويموت ثلث سكانها من وباء الطاعون.
  3. الجدري: استخدم الإنجليز والأسبان الجدري في حروبهم أثناء فتحهم الأمريكيتين، فقد استخدموه في إطار حرب بيولوجية سرية، عندما قدموا لزعماء قبائل الهنود الحمر البطاطين والهدايا والمفروشات والملابس،و في طياتها فيروسات الجدري، وسرعان ما انتشر  فيروس الجدري ليخلف وراءه الآلاف من حالات الوفاة بين صفوف الهنود الحمر.

نماذج الحروب البيولوجية حديثا

استُخدمت الحرب البيولوجية حديثًا منذ عصر نابليون الذي اعتاد أن يلقي الحيوانات النافقة في مجاري المياه ليلوثها ويعرض حياة أعدائه للخطر، ثم تطور استخدامها في الحرب العالمية الأولى بين( 1914ــ 1918) فقد أكد الباحثون أن الجيش الألماني استخدم الجمرة الخبيثة والطاعون ضمن برنامج تسلحه، وكذلك استغل الألمان جرثومة(الرعام) في الإضرار بالخيول الروسية، وكانت الخيول حتى ذلك الوقت يتم الاعتماد عليها بشكل كبير في الحروب ، وفي الحرب العالمية الثانية، بدأ سباق متسارع بين اليابانيين والأمريكيين، فأنشأ اليابانيون مختبرات في شمال الصين لتصنيع الفيروسات، وكذلك قام اليابانيون بالهجوم على الصينيين بالبراغيث المحملة بالطاعون.

وبالرغم مما تنص عليه مواثيق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية من حظر الأسلحة البيولوجية ، إلا أن كثيرًا من الدول لاتزال تتسابق في حيازة هذه الأسلحة الفتاكة، وأمام هذه الحيازة  السرية، تم تفسير كل وباء ينتشر بين دول العالم بوصفه جزءًا من صراع عالمي كبير، تأكد ذلك بعد ظهور أوبئة عالمية متلاحقة من جنون البقر إلى انفلونزا الطيور إلى انفلونزا الخنازير إلى الجمرة الخبيثة إلى  الالتهاب الرئوي سارس ثم إلى كورونا.